الدرس 169 _ الإستصحاب 30
لا زال الكلام في الروايات الثلاث: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام» و «كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر» و «الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر».
ووجه الاستدلال بهذه الروايات على حجية الاستصحاب:
هو ظهور صدرها في الدلالة على ثبوت الحلية والطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها الأولية، وبالاستمرار المدلول عليه في ذيلها بـ «حتّى» على حجيّة الاستصحاب بقرينة جعل الغاية هو العلم بالحرمة والقذارة الظاهر في الحكم الظاهري، إذ الحكم الواقعي لا يكون مغيّاً بالعلم بالحرمة والقذارة، فكان المستفاد من تلك الروايات حكمان مجعولان:
أحدهما: الحكم الواقعي بالحل والطهارة للأشياء بعناوينها الأولية. وثانيهما: الحكم الظاهري باستمرار المحكوم به في القضية من الحليّة والطهارة إلى زمان العلم بالخلاف. والأول مدلول عليه فيها بالمغيّا، والثاني بما في ذيلها من الغاية المدلول عليها بـ «حتّى». هذا ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه الله) في متن الكفاية، وكذا جماعة من الأعلام.
ولكن جماعة أخرى من الأعلام منهم الشيخ الأنصاري (رحمه الله): منعوا من دلالة تلك الروايات على «الاستصحاب» وعلى «الطهارة الواقعية» و «الظاهرية»، بل هي إمّا دالّة على «الاستصحاب» أو «القاعدة».
وذهب صاحب الفصول (رحمه الله): إلى دلالتها على اعتبار قاعدة الطهارة والحليّة واستصحابهما معاً.
وذهب المحقق النائيني (رحمه الله): إلى أنّ أخبار أصالة الحلّ والطهارة لا دلالة لها على اعتبار الاستصحاب، بل ليس مفادها إلا قاعدة الحلّ والطهارة ولا مساس لها بالطهارة والحلّية الواقعية فضلاً عن استصحابهما.
وذهب صاحب الكفاية (رحمه الله) في حاشيته على الرسائل: إلى إمكان استفادة القواعد الثلاثة منها: الحلية والطهارة الواقعية، والحلية والطهارة الظاهرية التي هي مفاد القاعدة، واستصحابهما.
أقول: هناك سبعة صور متصورة في تلك الأخبار:
الصورة الأولى: ما ذهب إليه صاحب الكفاية (رحمه الله) في متن الكفاية: وهو دلالة الأخبار على الحلية والطهارة الواقعية والاستصحاب، أي أن كلّ شيءٍ بعنوانه الأولي طاهرٌ وحلالٌ وهو مستمرٌ إلى زمان العلم بالنجاسة.
الصورة الثانية: ما ذهب إليه صاحب الكفاية (رحمه الله) في الحاشية على الرسائل وقد عرفتَه.
الصورة الثالثة: ما ذهب إليه الميرزا النائيني (رحمه الله) وجماعة من الأعلام وهو الحكم بالطهارة الظاهرية للشيء المشكوك في طهارته ونجاسته، وكذا الحكم بالحلية الظاهرية للشيء المشكوك، فيكون المعنى: كلّ شيء لم يعلم نجاسته فهو طاهر، وكلّ شيء لم يعلم حرمته فهو حلال.
الصورة الرابعة: أن يكون المراد منها الحكم بالطهارة والحلية الواقعية للأشياء بعناوينها الأولية، بأن يكون العلم المأخوذ غاية طريقاً محضاً، والغاية في الحقيقة هي عروض النجاسة والحرمة، فيكون المراد: أنّ كلّ شيء بعنوانه الأولي طاهر حتى تعرضه النجاسة، وأنّ كلّ شيء بعنوانه الأولي حلال حتى تعرضه الحرمة.
الصورة الخامسة: أن يكون المراد منها قاعدة الاستصحاب فقط، بأن يكون المعنى أنّ كلّ شيء طهارته وحليّته مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة والحرمة. أي كلّ شيء تثبت طهارته وحليّته الواقعية أو طهارته وحليّته الظاهرية فهي مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة والحرمة.
الصورة السادسة: أن يكون المراد بها الأعم من الطهارة والحليّة الواقعية والظاهرية، بأن يكون المعنى: أنّ كلّ شيءٍ معلوم العنوان كالماء والحنطة أو مشكوك العنوان كالمايع المردد بين الماء والبول فهو طاهر وحلال بالطهارة والحلية الواقعية في الأول والطهارة الوحلية الظاهرية في الثاني إلى زمان العلم بالنجاسة والحرمة.
الصورة السابعة: ما عن صاحب الفصول (رحمه الله): من أنّ المراد منها الطهارة والحلية الظاهرية والاستصحاب، بأن يكون المعنى: أنّ كلّ شيءٍ مشكوك العنوان طاهرٌ وحلالٌ وطهارته وحليّته مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة والحرمة، فيكون المعنى وهو قوله (عليه السلام): طاهرٌ وحلالٌ، إشارة إلى الطهارة والحلية الظاهرية، والغاية إشارة إلى استصحاب تلك الطهارة والحلية إلى زمان العلم بالنجاسة والحرمة.
ثمّ إنّ صاحب الكفاية (رحمه الله): أفاد في تقريب ما ذكره في حاشيته على الرسائل بما حاصله: «أنّ قوله (عليه السلام): «كلّ ماءٍ طاهر»، مثلاً دالٌّ على ثبوت الطهارة لكلّ ماءٍ بمقتضى العموم الأفرادي والمستفاد من "كلّ" وعلى ثبوتها في كلّ حال بمقتضى الإطلاق الأحوالي لمفهوم الماء، ومن المعلوم أن من تلك الأحوال حال الشك في الطهارة ونجاسته، فيدل الكلام المذكور على ثبوت الطهارة لكل ماء في كل حال، حتى حال كونه مشكوك الطهارة والنجاسة.
ثم إن الطهارة الثابتة لكل ماء في كل حال عدا الحال المذكورة، هي الطهارة الواقعية والطهارة الثابتة لكل ماء في الحال المذكورة، أعني حال كونه مشكوك الطهارة هي الطهارة الظاهرية. هذا كله مدلول المغيّا -أعني نفس كل شيء طاهر-.
وأما الغاية فتدل على استمرار الطهارة المذكورة إلى زمان العلم بالنجاسة، ولمّا كان هذا الاستمرار ليس استمرارا واقعيا إذْ الطهارة الواقعية مستمرة إلى زمان النجاسة واقعا، لا إلى زمان العلم بها، إذْ جعل الغاية العلم بالنجاسة دليل على كون الاستمرار للطهارة الظاهرية، كان الاستمرار المذكور عين استصحاب الطهارة، فتدل الرواية بالمغيَّ والغاية على قاعدة الطهارة الواقعية وقاعدة الطهارة الظاهرية والاستصحاب». (انتهى حاصل ما ذكره في حاشيته على الرسائل)
ولعل السبب في عدول صاحب الكفاية (رحمه الله) عما قاله في الحاشية إلى ما في متن الكفاية: من دلالتها على الطهارة الواقعية والاستصحاب، وعدم دلالتها على الطهارة الظاهرية، هو أن مجرد الاطلاق الأحوالي لمفهوم الماء الشامل لحال كونه مشكوك الطهارة والنجاسة لا يقتضي جعل الطهارة الظاهرية، إذ جميع الأحكام الواقعية ثابتة في حال الشك فيها، كما أنها ثابتة في حال الجهل وحال العلم بالأحكام، ولا تخرج بذلك عن كونها احكاما واقعية.
والسر في ذلك أن الحكم الظاهري هو ما يثبت لعنوان مشكوك الحكم لاما يثبت في حال الشك بالحكم، فالطهارة الثابتة للماء في جميع الحالات التي منها حال الشك فيه، هي عين الطهارة الواقعية المشكوكة، لا طهارة ظاهرية متيقنة.
وبالجملة: فلا يدل المغيّا إلا على ثبوت الطهارة الواقعية وبضميمة الغاية يدل المجموع على الطهارة الواقعية والاستصحاب معاً، وهذا هو ما ذكره في المتن.
أما الكلام في مناقشة هذه الصور بالتفصيل، فسيأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.