الدرس 160 _بقيّة أحكام الزكاة 10
ثمَّ إنَّ الإنصاف: جواز الدُّعاء بأيِّ لفظٍ كان؛ لأنَّ المراد من الصَّلاة هو الدُّعاء لغةً، وهو عامّ للدُّعاء بلفظها وبغيره.
وحكى صاحب المدارك (رحمه الله) عن العلاَّمة (رحمه الله) في التَّذكرة: «أنَّه ينبغي أن يقال في صورة الدُّعاء: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهوراً، وبارك الله لك فيما أبقيت».
أقول: لا بأس بالإتيان بهذه الصُّورة برجاء المطلوبيّة؛ إذ لم تثبت بدليل معتبر، والله العالم.
قال الشهيد الأول (رحمه الله) في الدروس: ولا يجوز نقلها مع وجود المستحقّ، فيضمن. وقيل: يُكره ويضمن. وقيل: يجوز بشرط الضَّمان، وهو قويّ(1)
(1) يقع الكلام في حكم نقلها مع وجود المستحقّ في ثلاثة أمور:
الأوَّل: هل يجوز النَّقل أم يحرم؟
الثَّاني: هل يضمن لو تلفت بالنَّقل أم لا؟
الثَّالث: لو قلنا بتحريم النَّقل فنقلها، فهل يجزئه ذلك إذا وصلت إلى الفقراء أم لا يجزئه؟
أمَّا الأمر الأوَّل: فقدِ اختلف الأعلام في جواز النَّقل مع وجود المستحقّ على أربعة أقوال:
الأوَّل: أنَّه لا يجوز، وفي الحدائق: «المشهور التَّحريم، وأسنده في التذكرة إلى علمائنا أجمع...».
الثَّاني: أنَّه يجوز على كراهة، مع كون صاحب المال ضامناً، ذهب إليه العلاَّمة (رحمه الله) في المختلف، حيث قال: «والأقرب عندي: جواز النَّقل على كراهيّة، مع وجود المستحقّ، ويكون صاحب المال ضامناً، كما اختاره صاحب الوسيلة (رحمه الله)».
الثَّالث: ما عن الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط، حيث قال: «لا يجوز نقلها من البلد مع وجود المستحقّ إلاَّ بشرط الضَّمان...»، وقوَّاه المصنِّف (رحمه الله) هنا.
الرَّابع: ما ذهب إليه جماعة من الأعلام منهم صاحب المدارك (رحمه الله)، وهو الجواز مطلقاً.
وَلْنبدأ من القول الأخير وهو الجواز مطلقاً فقدِ استدلّ له ببعض الأدلة:
منها: إطلاقات الأمر بالأداء الواردة في الكتاب والسُّنة، فإنَّها تشمل الأداء في البلد وخارجه.
ومنها: النُّصوص الخاصّة، والتي منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرَّجل يُعطي الزَّكاة يُقسِّمها، أله أن يُخرج الشَّيء منها من البلدة التي هو بها (فيها) إلى غيرها؟ فقال: لا بأس به»([1]).
ومنها: صحيحة أحمد بن حمزة «قال: سألتُ أبا الحسن الثَّالث (عليه السلام) عن الرَّجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر، ويصرفها في إخوانه، فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم»([2]).
ومنها: موثَّقة درست بن أبي منصور الواسطيّ «قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الزَّكاة يبعث بها الرَّجل إلى بلد غير بلده، قال: لا بأس (أن) يبعث بالثُّلث أو الرَّبع»([3])، وهي موثَّقة بطريق الشيَّخ الصَّدوق (رحمه الله)، فإنَّ درست الواسطيّ ثقة؛ لرواية عليّ بن الحسن الطَّاطريّ عنه في كتابه، وقد ذكر الشَّيخ (رحمه الله) في ترجمته: «أنَّ رواياته في كتبه عن الرِّجال الموثوق بهم وبرواياتهم»، وهذا شهادة من الشيَّخ بوثاقة مشايخ عليّ بن الحسن الطَّاطريّ المباشرين، كما أنَّ طريق الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) إلى درست الواسطيّ صحيح.
وأمَّا مَنْ ذهب إلى عدم الجواز، فقد استدلّ بعدَّة أدلَّةٍ:
منها: الإجماع المحكيّ عن التَّذكرة.
وفيه: أنَّ العلاَّمة (رحمه الله) نفسه الَّذي حكى الإجماع قدِ اختار في المنتهى والمختلف والتَّحرير الجواز على كراهيّة.
وأمَّا الشَّيخ (رحمه الله)، فإنَّه وإن صرَّح بعدم جواز النَّقل في الخلاف، لكنَّ المحكيّ عنه في المبسوط والاقتصاد الجواز بشرط الضَّمان.
أضف إلى ذلك: أنَّ الإجماع المنقول بخبر الواحد غير مشمول لأدلَّة حُجِّيّة خبر الواحد، كما ذكرنا في أكثر من مناسبة.
مع أنَّه يُحتمل فيه المدركيّة أيضاً، فلا يكون إجماعاً تعبديّاً كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام).
ومنها: أنَّ في النَّقل خطراً وتغريراً للمال.
وفيه أوَّلاً: أنَّ الخطر والتَّغرير يندفع بالضَّمان.
وثانيًا: أنَّ ذلك أخصّ من المدَّعى؛ إذ قد لا يكون في النَّقل خطر ولا تغرير إذا كان نقله أشدّ حفظاً عليه من بقائه، كما في بعض الحالات.
ومنها: أنَّ النقل منافٍ للفورية.
وفيه أولاً: ما ذكرناه سابقاً من أنَّه لا دليل على الفورية، بل يجوز التأخير شهر أو شهرين أو ثلاثة.
وثانياً: أنَّ ذلك أخصّ من المدَّعى؛ إذ قد يكون النَّقل إلى البلد الآخر أسرع من الأداء في البلد نفسه، كما لو كان المالك في أطراف المدينة والمستحقّ في آخر المدينة من الجهة الأخرى المقابلة للمالك، وكان البلد الآخر قريباً من مكان المالك، فإنَّ النَّقل إلى هذا البلد يكون أسرع من إيصالها إلى المستحقّ في المدينة.
([1]) الوسائل باب 37 من أبواب المستحقين للزكاة ح1.
([2]) الوسائل باب 37 من أبواب المستحقين للزكاة ح4.
([3]) الوسائل باب 37 من أبواب المستحقين للزكاة ح2.