الدرس 1142 _كتاب الخمس 22
قال الشهيد الاول رحمه الله في الدروس: والمؤونة مأخوذةٌ من تلاد المال في وجه، ومن طارفه في وجه، ومنهما بالنِّسبة في وجه.
المراد من تلاد المال هو المال القديم الَّذي ُولد عند المالك، والمراد من الطَّارف هو المال المستحدث.
إذا عرفت ذلك، فنقول: إذا كان للشَّخص مالٌ لم يتعلَّق به الخُمُس، أو تعلَّق به ولكنَّه أخرج خُمُسه، فهل تُخرج المؤونة منه، أو من الرِّبح، أو منهما بالنِّسبة؟ كما لو كانت المؤونة خمسين ديناراً، والرِّبح مائة دينار، والمال الآخر أيضاً مائة دينار، فيخرج نصف المؤونة من الرِّبح، والنِّصف الآخر من المال الآخر، وهكذا.
ذهب جماعة كثيرة من الأعلام إلى أنَّ المؤونة تُخرج من الرِّبح، منهم الشَّهيد الثَّاني في الرَّوضة، والمحقِّق الثَّاني، وصاحب المدارك (رحمهم اﷲ)، واستجوده صاحب الحدائق (رحمه اﷲ)، وقوَّاه صاحب الجواهر (رحمه اﷲ).
وممَّن ذهب إلى ذلك أيضاً المحقِّق الهمدانيّ، والسّيِّد محسن الحكيم، والسيّد أبو القاسم الخوئي (رحمهم اﷲ)، وهو مقتضى الإنصاف عندنا، كما سيتّضح إن شاء اﷲ تعالى .
هذا، وقد ذهب المحقِّق الأردبيليّ (رحمه اﷲ) إلى تعيُّن إخراج المؤونة من المال الآخر.
وقدِ احتمل المصنِّف (رحمه اﷲ) هنا التَّوزيع بالنِّسبة، وكذا الشَّهيد الثَّاني (رحمه اﷲ) في المسالك.
ثمَّ إنَّه قدِ استُدلّ للمشهور القائل بجواز إخراج المؤونة من الرِّبح فقط: بإطلاق الرِّوايات الدَّالّة على أنَّ الخُمُس بعد المؤونة، فإنَّها مطلقة تشمل صورتي وجود مال آخر، وعدمه.
أُنظر إلى صحيحة عليّ بن مَهْزِيار (قَاْل: كتب إليه إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ: أقرأني عليٌّ كتاب أبيك في ما أوجبه على أصحاب الضِّياع أنَّه أوجب عليهم نصف السُّدس بعد المؤونة، وأنّه ليس على مَنْ لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السُّدس، ولا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضِّياع الخُمُس بعد المؤونة مؤونة الضَّيعة وخراجها، لا مؤونة الرَّجل وعياله، فكتب وقرأه عليّ بن مَهْزِيار : عليه الخُمُس بعد مؤونته ومؤونة عياله، وبعد خراج السُّلطان)([1]).
وهي دالَّةٌ على أنَّ إخراج المؤونة من الرِّبح، سواء أكان له مال آخر أم لا، كما أنَّها صحيحة السَّند، كما عرفت سابقاً، فإنَّ إبراهيم بن محمَّد الهمدانيّ، وإن كان غير موثَّق، إلاَّ أنَّ عليَّ بن مَهْزِيار شهد بأن الَّذي كتب هو الإمام (عليه السلام)، حيث قال علي بن مَهْزِيار: (فكتب...). وعليه، فالقول: بأنَّها ضعيفة، في غير محلِّه.
وهناك أيضاً بعض الرِّوايات دالَّة بالإطلاق على أنَّ المؤونة من الربِّح، ولسنا بحاجة لذكرها.
وأمَّا الإشكال على صحيحة ابن مَهْزِيار، وكذا غيرها المستدلّ بإطلاقها على إخراج المؤونة من الرِّبح، بأنَّها منصرفةٌ إلى صورة الاحتياج إلى أخذ المؤونة منه؛ لأنَّ الغالب الاحتياج إلى أخذ المؤونة منه؛ لعدم وجود مال آخر يُؤخذ منه المؤونة.
ففيه أوَّلاً: أنَّ الغلبة ممنوعةٌ، بل الغالب وجود مال آخر يمكن الاستغناء به سنة وأكثر عن صرف الرِّبح في المؤونة عند التُّجار، وأصحاب الصّنائع.
وثانياً: لو سلَّمنا بالغلبة، إلاَّ أنَّه من باب غلبة الوجود، فلا تُوجب انصراف الصَّحيحة عنه؛ لأنَّ الانصراف الخارجيّ لا يضرّ بالإطلاق، كما هو معلوم.
وممَّا ذكرنا يظهر لك: ضعف ما ذهب إليه المحقِّق الأردبيليّ (رحمه اﷲ) من تعيُّن إخراج المؤونة من المال الآخر، حيث استدلّ بأمرَيْن:
الأوَّل: بالاحتياط، فإنَّ إخراج المؤونة من المال الآخر موافق للاحتياط.
وفيه: أنَّ الاحتياط لا تجب مراعاته، كما هو معلوم.
الثَّاني: إطلاقات أدلَّة الخُمُس المقتصر في تخصيصها بالنِّسبة إلى المؤونة على صورة الحاجة.
وفيه: أنَّ إطلاق ما دلَّ على استثناء المؤونة حاكمٌ على تلك المطلقات.
وأمَّا دعوى انصراف إطلاق ما دلَّ على استثناء المؤونة إلى صورة الحاجة، فقد عرفت جوابها.
وبالجملة، فإنّ ما ذهب إليه المحقِّق الأردبيليّ (رحمه اﷲ) ليس تامّاً.
وأمَّا احتمال التَّوزيع، كما عن المصنِّف (رحمه اﷲ) هنا والشَّهيد الثَّاني (رحمه اﷲ) في المسالك، فلم يُعرف قائله؛ هذا أوَّلاً.
وثانياً: لا وجه له، إلاَّ ما يُقال: من أنَّه مطابقٌ لقاعدة العدل والإنصاف.
وفيه: أنَّه لا يُوجد في هذه القاعدة شيءٌ حَسَنٌ إلاَّ اسمها؛ إذ لا أساس لها إلاَّ في موردَيْن؛ للنَّصّ الخاصّ:
الأوَّل: ما ورد في موثَّقة السَّكونيّ عن الصَّادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) (في رجلٍ استودع رجلاً دينارَيْن، فاستودعه آخر ديناراً، فضاع دينارٌ منها، قَاْل: يُعطى صاحب الدِّينارَيْن ديناراً، ويُقسَّم الآخر بينهما نصفَيْن)([2])، وكذا ما كان من هذا القبيل من الدَّراهم ممَّا اقتضى التَّثليث.
المورد الثَّاني: فيما لو تداعى شخصان دابَّةً أو بعيراً، وأقام كلٌّ منهما بيَّنةً على مدّعاه، ولم تكن العين في يد أحدهما، أو كانت في أيديهما.
ففي موثَّقة إسحاق بن عمَّار عن أبي عبد اﷲ (عليه السلام) (أنَّ رجلَيْن اختصما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دابَّة في أيديهما، وأقام كلُّ واحد منهما البيِّنة أنَّها نتجت عنده، فأحلفهما عليٌّ (عليه السلام)، فحلف أحدهما، وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما، وأقاما البيّنة؟ فقال: أُحلّفهما، فأيُّهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفَيْن، قيل: فإن كانت في يد أحدهما، وأقاما جميعاً البيِّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الَّذي هي في يده)([3]).
والرِّواية معتبرةٌ، فإنَّ الخشَّاب أي حسن بن موسى الخشَّاب ممدوحٌ مدحاً معتدّاً به، كما أنَّ غياث بن كلوب ثقة.
وأمَّا في غير هذَيْن الموردَيْن فلا يُعمل بها.
والخلاصة: أنَّ احتمال التَّوزيع ليس تامّاً، كما أنَّ القول بوجوب اعتبار المؤونة من المال الآخر ليس تامّاً أيضاً، واﷲ العالم بحقائق أحكامه.
* * *
قال الشهيد الاول رحمه الله في الدروس: ولا يجبر ما تلف من التِّلاد بالطَّارف.
المعروف بين الأعلام، ومنهم المصنِّف هنا، والشَّهيد الثَّاني في المسالك والرَّوضة، وصاحب الجواهر والمحقِّق الهمدانيّ والسّيِّد أبو القاسم الخوئيّ(رحمهم اﷲ جميعاً)، وكذا غيرهم أنَّه لا يُجبر تلف أو خسران غير مال التِّجارة بالرِّبح، وإن كان في عامه؛ إذ لا يُعدّ جبر الخسارات أو تدارك النَّقص الوارد عليه بسرقة أو غصب أو نحوه، ولو في هذه السَّنة، من المؤونة عرفاً، وقد عرفت سابقاً أنَّ موضوع الخُمُس هو الرِّبح الَّذي لم يُصرف في المؤونة، وهذا متحقّق هنا.
نعم، لوِ اتَّفق احتياجه إلى ذلك المقدار التَّالف، كما لو تلفت داره الَّتي يسكنها، فاشترى داراً من ربح السَّنة، كان ذلك من المؤونة، إلاَّ أنَّ هذا خارج عن محلِّ النِّزاع؛ لأنَّه من صرف الرِّبح في المؤونة، واﷲ العالم.
([1]) الوسائل باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخُمُس ح4.
([2]) الوسائل باب 12 من كتاب الصلح ح1.
([3]) الوسائل باب 12 من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدَّعوى ح2.