الدرس 83 _ أقسام الخبر 3
ثمّ قال الشيخ حسن رحمه الله في منتقى الجمان: «ويرد عليهما. ثانياً أنّ الضبط شرط في قبول خبر الواحد، فلا وجه لعدم التعرّض له في التعريف. وقد ذكره العامة في تعريفهم وسيأتي حكايته، ولوالدي رحمه الله كلام في بيان أوصاف الراوي ينبّه على المقتضي لتركه، فإنّه لمّا ذكر وصف الضبط قال: (وفي الحقيقة اعتبار العدالة يغني عن هذا، لأنّ العدل لا يجازف برواية ما ليس بمضبوط على الوجه المعتبر، فذكره تأكيد أو جري على العادة يعني عادة القوم، حيث إنّهم ملتزمون بذكر الضبط في شروط قبول الخبر).
وفي هذا الكلام نظر ظاهر، فإنّ منع العدالة من المجازفة التي ذكرها لا ريب فيه، وليس المطلوب بشرط الضبط الأمن منها، بل المقصود منه السلامة من غلبة السهو والغفلة الموجبة لوقوع الخلل على سبيل الخطأ، كما حقق في الأصول، وحينئذٍ فلا بدّ من ذكره، غاية الأمر أنّ القدر المعتبر منه يتفاوت بالنظر إلى أنواع الرواية ممّا يعتبر في الرواية من الكتاب قليل بالنسبة إلى ما يعتبر في الرواية من الحفظ كما هو واضح.
ويبقى الكلام على الزيادة الواقعة في آخر التعريف، أعني قوله: (وإن اعتراه شذوذ) فقد ذكر في الشرع أنّه نبّه بذلك على المخالفة لما اصطلح عليه العامّة، حيث اعتبروا في الصحيح سلامته من الشذوذ. وقالوا في تعريفه: إنّه ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم من شذوذ وعلّة. واحترزوا بالسلامة من الشذوذ عمّا رواه الثقة مخالفاً لما رواه الناس فلا يكون صحيحاً. ومن العلّة عمّا فيه أسباب خفية قادحة يستخرجها الماهر في الفنّ، كالإرسال فيما ظاهره الاتصال، ولا تنتهي المعرفة بها إلى حدّ القطع، بل تكون مستفادة من قرائن يغلب معها الظنّ أو توجب التردّد والشك.
قال: وأصحابنا لم يعتبروا في حدّ الصحيح ذلك، والخلاف في مجرّد الاصطلاح، وإلاّ فقد يقبلون الخبر الشاذ والمعلّل، ونحن قد لا نقبلهما وإن دخلا في الصحيح.
وقال في آخر بحث المعلّل: العلّة عند الجمهور مانعة من صحّة الحديث على تقدير كون ظاهره الصحّة لولا ذلك. ومن ثمّ شرطوا في تعريف الصحيح سلامته من العلّة. أمّا أصحابنا فلم يشترطوا السلامة منها، وحينئذٍ فقد ينقسم الصحيح إلى معلّل وغيره وإن ردّ المعلّل كما يردّ الصحيح الشاذ»[1].
ثمّ قال الشيخ حسنرحمه الله: «وأقول: الذي يقتضيه النظر والاعتبار في هذا المقام أنّ مدار تقسيم الحديث إلى الأقسام الأربعة على رعاية حال الرواة وصفاتهم التي لها مدخل ما في قبول الراوية وعدمه، وأنّ مناط وصف الصحّة، هو اجتماع وصفي العدالة والضبط في جميع رواة الحديث مع اتصال روايتهم له بالمعصوم، فيجب حينئذٍ مراعاة الأمور المنافية لذلك، ولا ريب أنّ الشذوذ بالمعنى الذي فسّره به وهو ما روى الناس خلافه لا منافاة فيه بوجه.
نعم وجود الراوية المخالفة يوجب الدخول في باب التعارض وطلب المرجح، وظاهر أنّ رواية الأكثر من جملة المرجّحات فيطرح الشاذ بهذا الاعتبار، وهو أمر خارج عن الجهة التي قلنا: إنّها مناط وصف الصحّة كما لا يخفى.
وأمّا عدم منافاة العلّة، فموضع تأمّل، من حيث إنّ الطريق إلى استفادة الاتصال ونحوه من أحوال الأسانيد قد انحصر عندنا بعد انقطاع طريق الرواية من جهة السماع والقراءة في القرائن الحالية الدالة على صحّة ما في الكتب ولو بالظنّ، ولا شكّ أنّ فرض غلبة الظنّ بوجود الخلل أو تساوي احتمالي وجوده وعدمه ينافي ذلك، وحينئذٍ يقوي اعتبار انتفاء العلّة في مفهوم الصحّة. ودعوى جريان الاصطلاح على ذلك في حدّ المنع، لأنّه اصطلاح جديد... الخ»[2].
أقول:
أمّا بالنسبة لاعتبار الضبط في التعريف، فإنّ من ذكره شرطاً زائداً عن العدالة إنّما اعتبره للأمن من غلبة السهو والغفلة الموجبة لكثرة وقوع الخلل في النقل على سبيل الخطأ دون العمد. والمراد نفي الغلبة الزائدة على القدر الطبيعي الذي لا يسلم منه غير المعصوم، والحاجة إليه بعد اعتبار العدالة ليست إلاّ في فرض نادر بعيد الوقوع، وهو أن يبلغ كثرة السهو والغفلة حدّاً يغفل معه الساهي عن كثرة سهوه وغفلته، أو يعلم ذلك من نفسه ولا يمكنه التحفّظ مع المبالغة في التيقّظ، وإلاّ فتذكّره لكثرة سهوه مع فرض العدالة يدعوه إلى التثبّت في مواقع الاشتباه حتى يأمن من الغلط.
ومن هنا نستطيع القول: إنّه لا حاجة إلى ذكر قيد الضبط في التعريف بعد ذكر العدالة، فما فعله الشهيدان من عدم ذكر الضبط في التعريف هو الصحيح.
وأمّا قيد أن يعتريه شذوذ، فما ذكره الشيخ حسنرحمه الله في المنتقى من عدم اعتباره في التعريف هو الصحيح.
وأمّا ما ذكره بعضهم، من أنّ عدم الشذوذ شرط في اعتبار الخبر لا في تسميته صحيحاً.
فهو في غير محلّه، لأنّ الشذوذ ليس شرطاً لا في اعتبار الخبر ولا في تسميته صحيحاً، إذ الشذوذ لا يسقط الخبر عن الحجّية إذا كان مستجمعاً لها.
نعم، وجود الرواية الشاذة يوجب الدخول في باب التعارض، ولكن ما ذكره الشيخ حسن وغيره من أنّ رواية الأكثر من جملة المرجّحات فيطرح الشاذ بهذا الاعتبار.
فهو في غير محلّه، لما ذكرناه في علم الأصول من أنّ الشهرة الروائية ليست من المرجّحات في باب التعارض.
وأمّا بالنسبة للعلّة في الخبر، فما ذكره الشيخ حسنرحمه الله من أنّها تنافي وصف الخبر بالصحّة، فهو في محلّه.
وعليه، فيقوى اعتبار انتفاء العلّة في مفهوم الصحة. والله العالم