الدرس155 _لباس المصلي 28
وأمَّا ما دلّ على وجوب الجلوس والإيماء مطلقاً فعدَّة أخبار:
منها: حسنة زرارة «قال: قلت لأبي جعفر N: رجل خرج من سفينة عرياناً، أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه، فقال: يصلّي إيماءً وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته، ثمَّ يجلسان فيومئان إيماءً، ولا يسجدان، ولا يركعان فيبدو ما خلفهما تكون صلاتهما إيماءً برؤوسهما...»[i]f176.
ومنها: رواية أبي البختري وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد عن أبيه J «أنّه قال: من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتّى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثياباً، فإن لم يجد صلّى عرياناً جالساً يُومِئ إيماءً يجعل سجوده أخفض من ركوعه فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس، ثمَّ صلّوا كذلك فرادى»[ii]f177، ولكنّها ضعيفة بأبي البختري، فقد قيل: إنّه أكذب البريّة.
ومنها: خبر محمّد بن علي الحلّبي عن أبي عبد الله N «في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة، وليس عليه إلاّ ثوب واحد، وأصاب ثوبه منيّ، قال: يتيمّم، ويطرح ثوبه، ويجلس مجتمعاً فيصلّي، ويُومىء إيماءاً»[iii]f178، ولكنَّه ضعيف لعدم وثاقة محمّد بن عبد الحميد، لأنّ التوثيق في كلام النجاشي راجع إلى الأب، وأمّا وجوده في كامل الزيارات فلا ينفع، لأنّه ليس من مشايخه المباشرين.
ويشهد للجمع بين الطائفتين مرسل الفقيه[iv]f179 الظاهر اتّحاده مع مرسل ابن مسكان عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله N «في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصَّلاة، قال: يصلّي عرياناً قائماً إن لم يرَه أحد، فإن رآه أحد صلّى جالساً»[v]f180، ولكنَّهما ضعيفان بالإرسال.
وتشهد له أيضاً صحيحة ابن مسكان عن أبي جعفر N «في رجلٍ عريانٍ ليس معه ثوبٌ، قال: إذا كان حيثُ لا يراه أحدٌ فليصل قائماً»[vi]f181.
هذا، وقد شكَّك جماعة من الأعلام في رواية ابن مسكان عن الإمام الباقر N مباشرة، قال في الجواهر: «وإن كان في روايته عنه بلا واسطة غرابة»، وفي المستمسك للسيد الحكيم R «فإنَّ المذكور في ترجمته أنّه قليل الرواية عن أبي عبد الله N، وأنّه من أصحاب الكاظم N، بل عن يونس أنَّه لم يسمع عن أبي عبد الله N إلاَّ حديث «من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ»، ومرسله كان عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله N، فالموثوق به أنّه مرسل عن أبي جعفر N...».
أقول: هذا الإشكال في غير محلِّه، بل الرّواية صحيحة.
أمَّا ما حكي عن يونس من أنَّ ابن مسكان لم يسمع عن أبي عبد الله N إلاَّ رواية واحدة : فهذه الحكاية قد وردت في كتاب اختيار معرفة الرجال، حيث حكى الكشّي عن أبي النضر محمّد بن مسعود العياشي عن محمّد بن نصير عن محمّد بن عيسى عن يونس «أن عبد الله بن مسكان لم يروِ...».
وفيه: أنَّ هذه الحكاية لا يمكن الاعتماد عليها، لأنّ محمّد بن نصير الذي روى عنه العياشي إن كان هو النميريّ كما لعلَّه الأقرب فهو مذموم جدّاً، وإن كان ابن نصير الكشّي الذي هو شيخ الكشّي فهو، وإن كان ثقةً، إلاّ أنّ احتماله بعيد، لكثرة رواية العياشي عن الأوّل، ومع التسليم باحتمال التساوي بينهما فلا ينفع أيضاً لتردّده بين الثقة وغيره، فتسقط حكاية الكشّي عن الاستدلال.
وأمَّا قول النجاشي في رجاله «قيل: إنّه أي ابن مسكان روى عن أبي عبد الله N وليس بثبت»: فهو في غير محلّه أيضاً، فإنّ روايات ابن مسكان عن الإمام الصادق N كثيرة، وقد ذكر المامقاني R في تنقيح المقال، والأردبيلي R في جامع الرواة، شطراً وافياً من رواياته عن الإمام الصّادق N، فراجع.
وأمَّا روايته عن الإمام الباقر N: فليست غريبة، لأنَّ الإمام الباقر N توفي سنة أربع عشرة ومائة للهجرة، وكانت وفاة ابن مسكان قبل حادثة الإمام الكاظم N، أي قبل أخذه N من المدينة إلى السّجن، ومن المعروف أنّ شهادة الإمام الكاظم N كانت سنة ثلاثة وثمَّانين ومائة للهجرة.
وعليه، فتكون روايتُه عن الإمام الباقر N مباشرة قريبةً جدّاً.
والخلاصة: أنّه لا إشكال في سند الرّواية.
ثمَّ إنّ جماعة من الأعلام، منهم صاحب الجواهر والسّيد الحكيم (رحمهما الله) ذكروا أنّ الرّواية، وإن كانت مرسلة، إلاَّ أنّها حجّة مجبورة بعمل المشهور، قال المصنِّف R في الذكرى: «وأمّا المراسيل، فإذا تأيَّدت بالشهرة صارت في قوّة المسانيد، وخصوصاً مع ثقة المرسل، وعبد الله بن مسكان من أجلّ الثقات من أصحاب الكاظم N...».
وفيه: ما ذكرناه في أكثر من مناسبة من أنّ عمل مشهور المتقدّمين لا يجبر ضعف الرّواية.
وأمَّا كون ابن مسكان من أصحاب الإجماع: فقد ذكرنا في مسائل علم الرجال أنّ مراسيل أصحاب الإجماع كمراسيل غيرهم، وقد ذكرنا السرّ في ذلك، في الابحاث السابقة.
ثمَّ إنّه من جملة الشّواهد للجمع المذكور ما عن نوادر الرّواندي R: «قال عليّ N في (العريان) العاري: إن (إذا) رآه الناس صلّى قاعداً، وإن لم (وإذا كان لا) يرَه النَّاس صلَّى قائماً»[vii]f182، ولكنَّها ضعيفة بالإرسال، والرّواية موجودة في كتاب الجعفريّات المعبّر عنه بالأشعثيات[viii]f183، وقد عرفت أنّ ما في الكتاب ضعيف السند لوجود موسى بن إسماعيل، ووالده في السند، وهما مجهولان.
والخلاصة: أنّه يكفينا للجمع بين الأخبار صحيحة ابن مسكان، وبها يثبت التفصيل الذي ذهب إليه المشهور.
[i] البحار كتاب الصلاة باب صلاة العراة ح1.
[ii] المستدرك باب 33 من أبواب لباس المصلّي ح2.
[iii] الوسائل باب 50 من أبواب لباس المصلّي ح2.
[iv] الوسائل باب 51 من أبواب لباس المصلّي ح2.
[v] الوسائل باب 50 من أبواب لباس المصلّي ح6.
[vi] الوسائل باب 1 من أبواب القيام ح13.
[vii] الوسائل باب 51 من أبواب لباس المصلّي ح1.
[viii] الوسائل باب 51 من أبواب لباس المصلّي ح2.