• الموقع : موقع سماحة اية الله الشيخ حسن الرميتي .
        • القسم الرئيسي : بحث الاصول .
              • القسم الفرعي : مبحث الأوامر / بحث الاصول .
                    • الموضوع : الدرس 189 _ المقصد الأول في الاوامر 121 .

الدرس 189 _ المقصد الأول في الاوامر 121

 الفصل التاسع الوجوب التخييري

قال صاحب الكفاية R: «فصل: إذا تعلق الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء، ففي وجوب كل واحد على التخيير، بمعنى عدم جواز تركه إلا إلى بدل، أو وجوب الواحد بعينه، أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما، أو وجوب المعين عند الله، أقوال».

تعرّضنا لمبحث الوجوب التخييري في مبحث الأوامر حينما تكلّمنا عمَّا يقتضيه الأمر من التعيين والتخيير... ولكن يبقى ما ينبغي ذكره هنا، فهذا محلّه.

تصويرات الواجب التخييري:

اشتهرت أربعة أقوال في تصوير الواجب التخييري ثبوتاً:

التصوير الأوّل: وهو أنّ الوجوب التخييري عبارة عن أنّ الإلزام بالفعل والمنع من تركه إلى غير بدل، فيكون كلّ واحد من عدلَي الوجوب التخييري واجباً على النحو المذكور.

التصوير الثاني: وهو أنّ الواجب التخييري هو واحد ولكن لا بعينه؛ مثلاً في كفارة العمد الواجب هو إحدى الخصال الثلاث لا بعينها.

ويكون الفرق بين هذا التصوير والتصوير الأوّل أنّ على الأوّل يكون الواجب متعدّداً، وعلى الثاني يكون الواجب واحداً لا غير.

التصوير الثالث: هو أنّ الوجوب تعييني بالنسبة إلى كل من الأفراد، غايته أنّ امتثال واحد منها مسقط لغيره.

التصوير الرابع: وهو أنّ الواجب هو المعيَّن عند اللهL، ولكن ما يختاره المكلف يكون واجباً عليه.

هذه هي تصويرات الوجوب التخييري الأربعة، وقد مرّ الكلام عن التصويرات الثلاثة الأولى.

أمّا التصوير الرابع، ففيه:

أوّلاً: لو كان الواجب هو ما يختاره المكلف، للزم أن يختلف حكم كل مكلّف؛ كما لو اختار زيد الإطعام في كفارة الإفطار في نهار شهر رمضان، واختار عمرو الصوم، واختار بكر العتق، وهذا خلاف قاعدة الاشتراك في التكليف، بل يلزم أن يختلف الحكم باختلاف حال المكلّف الواحد؛ كما لو كان على زيد كفارتان، فاختار الإطعام في اليوم الأوّل، واختار العتق في اليوم الثاني.

ثانياً: لو كان الواجب هو ما يختاره المكلّف، للزم عدم التكليف قبل الاختيار، وانتفاؤه بترك الاختيار، وبالتالي انتفاء العصيان؛ لأنّ الوجوب إنّما يتحقق باختيار المكلف إياه في مقام الامتثال، وأمّا قبل اختياره، فلا وجوب واقعاً ليصدق عليه أنّه تركه وعصاه حتى يستحق العقوبة.

ثالثاً: إنّه منافٍ في مقام الإثبات لظواهر الأدلّة الدالة على وجوب فعلين أو أفعال على نحو التخيير مع عدم تعيُّن الواجب على المكلف في الواقع. ومن هنا كان ما يختاره المكلف هو مصداق للواجب التخييري، لا أنّه نفسه.

وعلى كل حال، فقد تبرّأ كل الأعلام من هذا التصوير حتى الأشاعرة والمعتزلة لسخافته على ما نقل صاحب المعالم.

إشكال رئيسي:

هناك إشكال رئيسي على تصوير الواجب التخييري، وحاصله: إنّ إرادة الآمر كإرادة الفاعل من جهة عدم إمكان تعلقهما بشيء مردّد؛ فكما أنّ الفاعل إذا أراد شيئاً تعلقت إرادته به بعينه لتتحرك عضلاته نحوه، فكذلك هي إرادة الآمر، فلا يمكن أن يتعلق أمر المولى بشيء مردّد.

أجبنا من قبل أنّه لا مانع من تعلق الإرادة الحقيقية بشيء كلّي؛ فالصفات الحقيقية كالعلم والإرادة تتعلق به، كما في موارد العلم الإجمالي؛ فإنّه لا واقع للمعلوم بالإجمال في موارده ما عدا عنوان أحدهما أو غيرهما، فإذا أمكن تعلّق الأمر الحقيقي بالكلي، فما بال الأمر الاعتباري؟!

تصوير صاحب الكفاية:

قال صاحب الكفاية R: «والتحقيق أن يقال: إنّه إن كان الأمر بأحد الشيئين، بملاك أنّه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تمام الغرض، ولذا يسقط به الأمر... وإن كان بملاك أنّه يكون في كل واحد منهما غرض، لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر بإتيانه، كان كل واحد واجباً بنحو من الوجوب، يستكشف عنه تبعاته، من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر، وترتب الثواب على فعل الواحد منهما، والعقاب على تركهما».

صوَّر صاحب الكفاية الواجب التخييري من خلال بيان أنّه لو كان لأفراد الواجب غرضٌ واحد، فهذا يكشف عن وجود مؤثّر واحد، وهو الجامع الحقيقي بينها؛ إذ الواحد لا يصدر إلا من واحد، ولا يمكن أن يصدر عن الكثير؛ لعدم السنخية بينهما، كما أنّ الكثير لا يصدر عن الواحد، بل لا يصدر إلا عن الكثير.

وعليه، يكون هذا الجامع الوحداني هو الواجب الشرعي، ويكون التخيير حينئذٍ عقلياً بين أفراد متساوية الأقدام من جهة تحقيقها لهذا الغرض.

هذا إذا كان الغرض واحداً، وأمّا إذا كان الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء بملاكات متعددة؛ بأن يكون في كل واحد منهما أو منها ملاك يخصّه، ولكن امتنع استيفاء الملاكين أو الملاكات لما بينهما أو بينها من التضاد؛ بحيث لو أتى بأحدهما أو أحدها فات ملاك الآخر، فحينئذٍ يكون كل منهما أو منها واجباً في ظرف عدم الآخر، ويكون الوجوب تخييرياً؛ إذ المفروض امتناع استيفاء كلا الملاكين كما عرفت.

جواب الشق الأوّل: أمّا الشق الأوّل، وهو ما لو كان الغرض واحداً.

ففيه: أوّلاً: أنّ هذه القاعدة التي ابتنى عليها التصوير (الواحد لا يصدر إلا عن واحد) قاعدة فلسفية تمّ التطرق إليها من قبل؛ حيث بيَّنا أنّها تختص بالواحد الشخصي؛ فإنّ صدوره لا يمكن إلا أن يكون عن علّة واحدة مسانخة له، وإلا لو صدر عن الكثير للزم انتفاء السنخية بين العلة والمعلول، وبالتالي صدور كل شيء عن كل شيء، وهو محال.

وبالجملة، فلا يعقل تشخّص معلول واحد شخصي من علّتين مستقلّتين، وإلا لو كان هناك علّتان، لكان المعلول معلولين لا معلولاً واحداً؛ لتباين العلّتين.

أمّا الواحد النوعي، فلا تأتي فيه هذه القاعدة؛ إذ لا مانع من صدور الكثير عن الواحد بالنوع؛ فإنّ مرجعه إلى صدور كل معلول شخصي عن فرد منه، وإسناد صدوره إلى الجامع باعتبار ذلك؛ كالحرارة المستندة إلى إشراق الشمس مرّة، وإلى النار مرّة، وإلى الحركة مرّة ثالثة، وإلى القوة الكهربائية مرّة رابعة، وهكذا.

والخلاصة: إنّ الواحد النوعي لا يكشف عن وجود جامع وحداني. وعليه، فلم يثبت أنّ الغرض المترتب على الواجب التخييري هو غرض شخصي، بل لعلّه واحد بالنوع، لا سيّما أنّ سنخ هذا الغرض غير معلوم لنا حتى نشخّصه، وبالتالي لا يكون هذا الغرض كاشفاً عن وجود جامع حقيقي بين الفعلين أو الأفعال.

أضف إلى ذلك أنّ كلام صاحب الكفاية إنّما يتمّ لو أمكن وجود جامع حقيقي بين هذه الأفعال؛ كما لو كانت أفراد الواجب التخييري من طبيعة واحدة. وأمّا إذا لم يمكن وجود جامع كذلك؛ كما إذا كان كلّ منها من مقولة على حدة، فلا يتمّ كلامه. ومن الواضح أنّ التخيير بين فعلين أو أفعال لا يختصّ بما إذا كانا من مقولة واحدة، بل كما يمكن أن يكونا كذلك يمكن أيضاً أن يكون أحدهما من مقولة والآخر من أخرى.

وعليه فلا يمكن تصوير جامع حقيقي بينهما.

ثانياً: لو سلّمنا بوجود جامع حقيقي، إلا أنّ ذلك غير كافٍ للأمر به والحال أنّ المأمورين به يجهلونه؛ إذ لا سبيل إلى امتثال المكلّفين لأمر يجهلون متعلقه.


  • المصدر : http://www.al-roumayte.com/subject.php?id=2575
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء: 21-01-2014
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 23