• الموقع : موقع سماحة اية الله الشيخ حسن الرميتي .
        • القسم الرئيسي : بحث الاصول .
              • القسم الفرعي : التعادل والتراجيح / بحث الاصول .
                    • الموضوع : الدرس 26 _ التعادل والتراجيح 26 .

الدرس 26 _ التعادل والتراجيح 26

[الأمر الخامس: ما يتعلق بمرجحيّة الشهرة، بناءً على القول بالترجيح بها وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام]

الأمر الخامس: فيما يتعلق بمرجحية الشهرة بناء على الترجيح بها، وهي على أقسام ثلاثة: الشهرة الروائية، والشهرة العملية، والشهرة الفتوائية.

وهذه الأقسام: وإن كنّا قد ذكرناها سابقا في الفصل الخامس في مبحث الظن، إلا أنه لا بأس بذكرها هنا ولو بشكل مختصر لأجل الربط بين الأبحاث، وتوطئة للأمر السادس.

أما الشهرة الروائية: فهي عبارة عن اشتهار الرواية بين الرواة وأصحاب الحديث بكثرة نقلها وتكررها في الأصول والكتب الجامعة للأخبار.
وقد ذكر الأعلام (رحمهم الله): أنه لا إشكال في الترجيح بهذه الشهرة، بل هو القدر المتيقن من رواية ابن حنظلة المصرّحة بالترجيح بالشهرة: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». ولكنك عرفت أنه ليس المراد من الشهرة في رواية ابن حنظلة هي هذه الشهرة -أي الشهرة الاصطلاحية- بل المراد منها الشهرة بالمعنى اللغوي أي ما كان واضحا وظاهراً عند الجميع بحيث لا يكون فيه شكّ وريب، فتخرج حينئذٍ عن محل النزاع.

وأما الشهرة العملية: فهي عبارة عن اشتهار العمل بالرواية والاستناد إليها في مقام الفتوى.
وقد ذكر الأعلام (رحمهم الله): أنه لا إشكال في الترجيح بهذه الشهرة، بل الترجيح بها أوْلى من الترجيح بالشهرة الروائية، لأنّ عمل مشهور المتقدمين بها يكشف عن اعتبارها، وهذه هي الشهرة التي تجبر ضعف الرواية إذا كانت من قدماء الاصحاب القريبين من عهد الحضور، أي قبل الشيخ الطوسي (رحمه الله) -حيث أنه آخر المتقدمين- باعتبار أنّ عملهم يكشف عن وجود قرينة تدل على صدور الرواية وقد خفيت هذه القرينة علينا.
ومن هنا لا عبرة بالشهرة العملية إذا كانت من المتأخرين خصوصاً إذا خالفت شهرة القدماء كما في مسألة نجاسة البئر وعدمها حيث ذهب مشهور المتقدمين إلى النجاسة إذا وقعت في البئر نجاسة وإن لم توجب تغيّره، وذهب مشهور المتأخرين إلى الطهارة كما هو الصحيح.
وأيضا المعروف بين الاعلام أن هذه الشهرة موهنة للرواية التي على خلافها وإن كانت مشهورة وقد رواها الثقات، أي إعراض مشهور المتقدمين عن رواية صحيحة يوجب وهنها نظراً إلى كشف إعراضهم عنها عن خللٍ فيها يوجب سقوطها عن الاعتبار، بل عن صاحب الجواهر (رحمه الله): «أنه كلما كانت صحيحة وصريحة وكثرت، ازدادت وهناً بإعراض المشهور عنها، لأن الإعراض يكشف عن وجود خللٍ فيها قد خفيَ علينا» (انتهى كلامه).
ثمّ إنّ النسبة بين هذه الشهرة والشهرة الروائية: هي العموم من وجه، إذ رُبَّ رواية مشهورة بين الرواة وأرباب الحديث، وقد يتوافقان أي تكون مشهورة بحسب العمل والنقل معاً.
ولكنك عرفت سابقاً أنّ مقتضى الإنصاف أنّ عمل المشهور برواية ضعيفة لا يكون جابرا لضعفها، لأنّ عملهم لا يوجب إلا الظنّ، وضمّ غير الحجّة -وهو عمل المشهور- إلى اللاحجّة -وهو الخبر الضعيف- لا يوجب الحجيّة، مضافاً إلى منع الصغرى فإنه لا سبيل لنا إلى العلم باستناد القدماء إلى ما بأيدينا من الرواية، لأنه ليس من دأبهم ذكر مستند الفتوى، بل بنائهم غالبا على مجرد الفتوى على طبق الاخبار بلا ذكر المستند، نعم قد يذكرون بعض الأدلة لكن من دون ذكر كون هذه الرواية الضعيفة بنفسها هي مستند هذه الفتوى، وعليه فطريقة المتقدمين في الاستنباط تختلف عن طريقة المتأخرين.
والخلاصة: أنه لا سبيل لنا إلى إثبات أنّ مستند فتواهم هو ما بأيدينا من الرواية، لاحتمال أن يكون لهم مستند آخر قد خفي علينا.
نعم ذكرنا في مبحث الفقه أنّ عمل مشهور المتقدمين برواية ضعيفة قد توجب الاطمئنان احياناً بصدورها إذا أحرزنا عملهم بها، ولكن هذا لا ضابطة له. هذا بالنسبة لعمل المشهور بالرواية الضعيفة.
وأما إعراضهم عن الرواية الصحيحة، فأيضا لا يوجب وهنها، إذ بعد اجتماع شرائط الحجيّة لها فما المسوّغ لعدم العمل بها وطرحها.
وأما القول بأنّ ذلك يكشف عن وجود خللٍ في الرواية قد خفي علينا، ففيه: أنه في غير محله، إذ لعلهم لم يعملوا بها لعدم تمامية الدلالة بنظرهم، أو لأنها مثلاً متعارضة مع غيرها والترجيح لغيرها، وهذا غير إعراضهم عنها. نعم لو أعرض الكلّ عنها ولم يعمل بها أحد من الفقهاء المتقدمين، فحينئذٍ نطمئنّ أو نقطع بعدم صدورها لبيان الحكم الواقعي.

وأما الشهرة الفتوائية: فهي عبارة عن مجرّد اشتهار الفتوى من المتقدمين على طبق مضمون الرواية مع عدم العلم باستنادهم في الفتوى إلى الرواية الموجودة في المسألة.
وقد ذكر الأعلام (رحمهم الله) أنه لا إشكال في كون هذه الشهرة موهنة للرواية التي على خلافها، فإنّ اشتهار الفتوى منهم على خلاف مضمون الرواية مع قرب عصرهم من زمان صدور الأخبار وكون الرواية بمرأى متهم، يكشف ذلك عن اطلاعهم على خللٍ فيها سنداً أو جهة. ولكنك عرفت الجواب عن ذلك عند الكلام عن الشهرة العملية من حيث الإعراض العملي عن الرواية الصحيحة.

ثمّ إنه يبقى الكلام عند الأعلام (رحمهم الله) في كون هذه الشهرة أي الشهرة الفتوائية من المتقدمين، هل هي مرجحة لأحد المتعارضين، أو جابرة لضعف سند الرواية ولو لم يكن لها معارض.
وقد ذكر جماعة من الأعلام (رحمهم الله) عدم كونها مرجحة لأحد المتعارضين، كما أنها ليست بجابرة، لأنّ الترجيح والجبر يتوقف على الاستناد والاعتماد على الرواية، وهما غير محرزين، ولا يكفي في ذلك مجرد مطابقة الفتوى لمضمون الرواية، كما لا يكفي في الترجيح والجبر عمل المتأخرين بالرواية واستنادهم إليها، لأنّ العبرة على عمل المتقدمين من الأصحاب لقرب زمانهم من زمان الأئمة (عليهم السّلام) ومعرفتهم بحال الرواة وتشخيصهم غث الرواية عن سمينها، فلا أثر لشهرة المتأخرين واستنادهم إلى الرواية ما لم تتصل بشهرة المتقدمين.
والإنصاف أنّ ما ذكر هو في محله، وعليه فليست الفتوائية من المتقدمين فضلاً عن المتأخرين من المرجحات، ولا كونها جابرة لضعف السند. نعم ذكرنا سابقاً أنه أحياناً قد تكون الشهرة العملية..... (التتمة في الدرس القادم)


  • المصدر : http://www.al-roumayte.com/subject.php?id=1889
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء: 24-09-2019
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 04 / 27